فخر الدين الرازي

97

تفسير الرازي

الخطاب مع الجن والإنس ، والنعم منحصرة في دفع المكروه وتحصيل المقصود ، لكن أعظم المكروهات عذاب جهنم ولها سبعة أبواب وأتم المقاصد نعيم الجنة ولها ثمانية أبواب فإغلاق الأبواب السبعة وفتح الأبواب الثمانية جميعه نعمة وإكرام ، فإذا اعتبرت تلك النعم بالنسبة إلى جنسي الجن والإنس تبلغ ثلاثين مرة وهي مرات التكرير للتقرير ، والمرة الأولى لبيان فائدة الكلام ، وهذا منقول وهو ضعيف ، لأن الله تعالى ذكر نعم الدنيا والآخرة ، وما ذكره اقتصار على بيان نعم الآخرة الرابع : هو أن أبواب النار سبعة والله تعالى ذكر سبع آيات تتعلق بالتخويف من النار ، من قوله تعالى : * ( سنفرغ لكم أيه الثقلان ) * ، إلى قوله تعالى : * ( يطوفون بينها وبين حميم آن ) * ( الرحمن : 31 - 44 ) ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك جنتين حيث قال : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * ( الرحمن : 46 ) ولكل جنة ثمانية أبواب تفتح كلها للمتقين ، وذكر من أول السورة إلى ما ذكرنا من آيات التخويف ثماني مرات : * ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) * سبع مرات للتقرير بالتكرير استيفاء للعدد الكثير الذي هو سبعة ، وقد بينا سبب اختصاصه في قوله تعالى : * ( سبعة أبحر ) * ( لقمان : 27 ) وسنعيد منه طرفاً إن شاء الله تعالى ، فصار المجموع ثلاثين مرة المرة الواحدة التي هي عقيب النعم الكثيرة لبيان المعنى وهو الأصل والتكثير تكرار فصار إحدى وثلاثين مرة . ثم قال تعالى : * ( خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ) * . وفي الصلصال وجهان أحدهما : هو بمعنى المسنون من صل اللحم إذا أنتن ، ويكون الصلصال حينئذ من الصلول وثانيهما : من الصليل يقال : صل الحديد صليلاً إذا حدث منه صوت ، وعلى هذا فهو الطين اليابس الذي يقع بعضه على بعض فيحدث فيما بينهما صوت ، إذ هو الطين اللازب الحر الذي إذا التزق بالشيء ثم انفصل عنه دفعة سمع منه عند الانفصال صوت ، فإن قيل : الإنسان إذا خلق من صلصال كيف ورد في القرآن أنه خلق من التراب وورد أنه خلق من الطين ومن حمأ ومن ماء مهين إلى غير ذلك نقول : أما قوله * ( من تراب ) * ( الحج : 5 ) تارة ، و * ( من ماء مهين ) * ( المرسلات : 20 ) أخرى ، فذلك باعتبار شخصين آدم خلق من الصلصال ومن حمأ وأولاده خلقوا من ماء مهين ، ولولا خلق آدم لما خلق أولاده ، ويجوز أن يقال : زيد خلق من حمأ بمعنى أن أصله الذي هو جده خلق منه ، وأما قوله : * ( من طين لازب ) * ( الصافات : 11 ) * ( من حمأ ) * ( الحجر : 26 ) وغير ذلك فهو إشارة إلى أن آدم عليه السلام خلق أولاً من التراب ، ثم صار طيناً ثم حمأ مسنوناً ثم لازباً ، فكأنه خلق من هذا ومن ذاك ، ومن ذلك ، والفخار الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف مستعمل على أصل الاشتقاق ، وهو مبالغة الفاخر كالعلام في العالم ، وذلك أن التراب الذي من شأنه التفتت إذا صار بحيث يجعل ظرف الماء والمائعات ولا يتفتت ولا ينقع فكأنه يفخر على أفراد جنسه .